عبد القادر الجيلاني

250

السفينة القادرية

وتحصيل معاشهم ويتركوا العلم للعلماء والصلاح لأهله بالمعنى ، وقد كثر في هذا الزمان دعوى الصلاح والكرامة طلبا لنهب الأرزاق وحظوظ النفس تاب اللّه علينا وعليهم بمنّه وكرّمه ، ثم قال : « آه من كثرة الظلم والجفاء آه من نفسي المطرودة آه من نفسي المطبوعة على الهوى آه من الهوى آه من الهوى » الكثرة العدد الوافر والظلم وضع الشيء في غير موضعه المأمور به شرعا وهو من شأن الحوادث ، والجفاء يريد به الإعراض عن الحق والصواب والطرد البعد ، والنفس معناها لغة وجود الشيء أو حقيقته يقال نفس الجوهر ونفس العلم أي حقيقته كل منهما ، ويقال على الدم مثل قول الفقهاء ما له نفس سائلة ، وعند الصوفية هو ما كان معلولا من أوصاف العبد ومذموما من أفعاله وأخلاقه وكثيرا ما يعبرون بها عن مبدأ الصفات المذمومة ، ولذلك كانت أعظم عدو للإنسان لصعوبة الخلاص من شرّها ، وتأوه الشيخ رضي اللّه عنه من أمرها لصعوبة الخلاص من شرها ، وقوله المطبوعة أي المجبولة على الميل إلى شهواتها فهو مشفق على نفسه من كثرة ظلمه وبعده على مطالبه وعدم تحصيله لما هو طالب وحكم على نفسه بسبب ذلك بالطرد ، إذ من المقرر عند أهل الطريقة رضي اللّه عنهم أن الولي إذا لم يبلغ المقامات العلية بلغها غيره من أهل الحقيقة يحسب نفسه مطرودة بسبب من الأسباب ، فيجتهد في العبادة والدعاء وإنما كرر التوجع من الهوى إشارة إلى أنه كلما جاهد النفس بالمخالفة يجدها غالبة له متقوية عليه ، وهذا يرشد إلى أنه رضي اللّه عنه متيقظ إلى أحوال نفسه ، فإن أعظم الناس جهلا من جهل نفسه وأهمل أحواله حتى دخل رمسه ، لأن الجهل بها يستلزم الرضا عنها ومواصل كل معصية ومعرفتها تستلزم عدم الرضا عنها وهو أصل كل طاعة كما قال الشيخ ابن عباد : لا شيء واجب على العبد من المعرفة بنفسه ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح حاله ويعلو مقامه ،